ابن أبي الحديد
286
شرح نهج البلاغة
ومن روى الرواية الأولى وقف على قوله : " إلى الله " ويكون قوله : " من معشر " من تمام صفات ذلك الحاكم ، أي هو من معشر صفتهم كذا . وأبور " أفعل " من البور الفاسد ، بار الشئ ، أي فسد ، وبارت السلعة ، أي كسدت ولم تنفق ، وهو المراد هاهنا ، وأصله الفساد أيضا . إن قيل : بينوا الفرق بين الرجلين اللذين أحدهما وكله الله إلى نفسه ، والآخر رجل قمش جهلا ، فإنهما في الظاهر واحد . قيل : أما الرجل الأول ، فهو الضال في أصول العقائد ، كالمشبه والمجبر ونحوهما ، ألا تراه كيف قال : " مشغوف بكلام بدعة ، ودعاء ضلالة " ، وهذا يشعر بما قلناه ، من أن مراده به المتكلم في أصول الدين ، وهو ضال عن الحق ، ولهذا قال : إنه فتنة لمن افتتن به ، ضال عن هدى من قبله ، مضل لمن يجئ بعده . وأما الرجل الثاني فهو المتفقه في فروع الشرعيات ، وليس بأهل لذلك ، كفقهاء السوء ، ألا تراه كيف يقول : جلس بين الناس قاضيا ! وقال أيضا : " تصرخ من جور قضائه الدماء ، وتعج منه المواريث " . فإن قيل : ما معنى قوله في الرجل الأول : " رهن بخطيئته " ؟ قيل : لأنه إن كان ضالا في دعوته مضلا لمن اتبعه ، فقد حمل خطاياه وخطايا غيره ، فهو رهن بالخطيئتين معا ، وهذا مثل قوله تعالى : ( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ) ( 1 ) . إن قيل : ما معنى قوله " عم بما في عقد الهدنة " ؟ قيل : الهدنة أصلها في اللغة السكون ، يقال : هدن إذا سكن ، ومعنى الكلام أنه لا يعرف ما في الفتنة من الشر ، ولا ما في السكون والمصالحة ( 2 ) من الخير .
--> ( 1 ) سورة العنكبوت 13 ( 2 ) ا : ا " المصلحة " ، تصحيف .